بقلم : نجاح هيفو
في زمنٍ تتكاثر فيه التحديات، وتتداخل فيه الاستحقاقات السورية والكردية، تأتي بعض الخطوات السياسية لتبعث برسالة مختلفة؛ رسالة تقول إن المصلحة العامة يمكن أن تكون أقوى من الحسابات الحزبية، وإن وحدة الصف ليست شعارًا يُرفع، بل قرارًا يحتاج إلى شجاعة وتضحية.
ومن هذا المنطلق، يأتي الإعلان عن اندماج حزب الوسط الكردي وتيار الحرية الكردستاني، وتشكيل إطار سياسي باسم حزب الوسط الكردي في سوريا، كخطوة مهمة وجديرة بالتوقف عندها، ليس فقط من الناحية التنظيمية، وإنما لما تحمله من دلالات سياسية في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ سوريا والحركة السياسية الكردية.
ما يجعل هذه الخطوة لافتة هو أنها تضع أمامنا نموذجًا مختلفًا في العمل الحزبي: أن تكون المصلحة العامة فوق اسم الحزب، وفوق المواقع، وفوق الاعتبارات الشخصية والتنظيمية.
فالعمل السياسي ليس غايته الحفاظ على العناوين بقدر ما هو وسيلة لخدمة المجتمع والقضية. وعندما تصل الأحزاب إلى قناعة بأن توحيد الطاقات أهم من تعدد الأطر، وأن جمع الإمكانات أكثر فائدة من توزيعها، فإن ذلك يستحق التقدير.
وهنا تحديدًا، لا يمكن تجاهل موقف تيار الحرية الكردستاني، الذي اختار الاندماج ضمن إطار سياسي موحد، وهو قرار يحمل في طياته قدرًا من المسؤولية السياسية، خصوصًا عندما يكون الهدف هو تجاوز الحسابات المرتبطة بالاسم والموقع والحضور التنظيمي، والنظر إلى الصورة الأكبر.
إن مثل هذه القرارات هي التي تعطي للعمل السياسي معنى آخر؛ فالتضحية الحقيقية ليست فقط في المواقف التي تُقال أمام الجمهور، وإنما في القرارات التي يكون فيها الإنسان أو الحزب مستعدًا لتقديم مصلحة عامة أوسع على مصلحة تنظيمية أضيق.
قوة للمجلس الوطني الكردي
ولأن الحزبين من القوى السياسية المنضوية تحت مظلة المجلس الوطني الكردي في سوريا، فإن هذه الخطوة لا تتوقف آثارها عند حدود الحزبين، بل يمكن أن تنعكس إيجابًا على المجلس نفسه، من خلال تعزيز التماسك وتوحيد الطاقات والكوادر ورفع مستوى التنسيق والعمل المشترك.
فكل خطوة باتجاه توحيد القوى المنضوية تحت مظلة المجلس الوطني الكردي هي، في جانب منها، تعزيز لفكرة العمل الجماعي، وإشارة إلى أن البيت السياسي الكردي يستطيع أن يراجع نفسه وأن يطور أدواته بما يتناسب مع متطلبات المرحلة.
وليس المطلوب أن تختفي التعددية السياسية أو أن تتطابق جميع الأحزاب في الرؤى والمواقف، فالتعددية ظاهرة طبيعية في أي مجتمع سياسي. لكن المطلوب هو أن تتحول التعددية إلى مصدر غنى، لا إلى سبب للانقسام واستنزاف الطاقات.
هل تكون هذه البداية؟
السؤال الأهم اليوم ليس فقط: ماذا يعني اندماج حزبين؟
بل: هل يمكن أن تتحول هذه الخطوة إلى بداية لمسار أوسع من التقارب السياسي الكردي؟
فالمرحلة السورية الراهنة تفرض على القوى الكردية مسؤولية كبيرة. وما يحتاجه الشارع الكردي هو رؤية سياسية أكثر تماسكًا، وتعاون أكبر بين القوى والأحزاب، وقدرة على تقديم المصالح الوطنية والقومية والمجتمعية على الحسابات الحزبية الضيقة.
ومن هنا، فإن هذه الخطوة يمكن أن تكون رسالة لبقية القوى السياسية: ليس عيبًا أن نتقارب، وليس ضعفًا أن نتنازل عن بعض العناوين، بل القوة الحقيقية أن نعرف متى تكون الوحدة أكثر أهمية من بقاء كل طرف في إطاره الخاص.
إن السياسة في جوهرها فن الممكن، وأحيانًا تكون أعظم القرارات السياسية هي تلك التي تتطلب من أصحابها التخلي عن شيء من أجل الحفاظ على شيء أكبر.
واليوم، يحتاج الكرد في سوريا إلى المزيد من هذه الروح؛ روح المسؤولية، وروح التقارب، وروح وضع المصلحة العامة فوق الجميع.
لذلك، فإن اندماج حزب الوسط الكردي وتيار الحرية الكردستاني خطوة تستحق المباركة والتقدير، ونأمل ألا تكون مجرد محطة تنظيمية عابرة، بل بداية لمسار جديد يعزز وحدة الصف، ويقوي العمل السياسي الكردي، ويدعم حضور المجلس الوطني الكردي في سوريا.
مبارك هذه الخطوة، ومبارك لكل من وضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الحزبية.
ففي النهاية، قد تختلف الأسماء والعناوين، وقد تتعدد الأحزاب، لكن ما يجمع الجميع أكبر من أي اسم، وأهم من أي منصب: مصلحة شعب وقضية ومستقبل.
